الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
356
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
والذي حاصله : ليس بين الله وبين حجته ستر ولا دونه حجاب ، وهذا في الحقيقة مقام فنائهم في الله وبقائهم با لله تعالى ، فهم حينئذ مظاهره في شؤونه تبارك وتعالى . وبعبارة أخرى : أن تعريفه تعالى جلالة أمرهم لكل شيء هو أنه تعالى عرّفهم ولايتهم وسلطانهم في الوجود ، الذي لهم لا لغيرهم وهو في الحقيقة المرتبة العليا ، التي أقامهم الله تعالى فيها ، ومكَّنهم فيها بحيث حمّلهم علمه وأعطاهم قدرته وجماله وجلاله ، وفوض إليهم أمر دينه ، وهذا معنى ولايتهم التكوينية والتشريعية ، وهذا معنى أنهم خلقوا له تعالى كما في الحديث القدسي مخاطبا للنبي صلَّى الله عليه وآله : " خلقت الأشياء لأجلك ، وخلقتك لأجلي " ، وقوله عليه السّلام : " نحن صنائع الله والخلق صنائع لنا " . توضيحه : أن كونهم عليهم السّلام خلقوا لأجله تعالى أنه تعالى جعلهم مظاهر أسمائه العظمى والحسني التي هي مظاهره تعالى . وبعبارة أخرى : أنه تعالى يظهر بالأسماء والصفات من العلم والقدرة والجلال والجمال ، وحقائق تلك الذوات المقدسة ، هي تلك الأسماء والصفات ، التي هي معرفات ومظاهر له تعالى ، فهم لهم السلطنة لتمكنهم في تلك المراتب والمنازل الإلهية ، وحيث إنا فاقدون لتلك الحقائق ومحتاجون إليها في الوجود فلا محالة خلقنا لهم ، فهم خلقوا له تعالى أي ليظهر تعالى بهم ، ونحن خلقنا لهم لنستفيض منهم ، فهم عليهم السّلام بتلك الحقائق يدبّرون أمر الخلائق بإذنه تعالى ، بل في الحقيقة هو تعالى يدبر الأمور بهم عليهم السّلام أي بتلك الحقائق ، فتدبّر تعرف . ولعمري إن هذا أمر عظيم ، ولعل إليه يشير قول الصادق عليه السّلام فيما تقدم : " إن أمرنا هو الحق وحق الحق ، وهو الظاهر وباطن الظاهر وباطن الباطن ، وهو السّر وسرّ السرّ ، وسرّ المستسر وسرّ مقنع بالسرّ " . أقول : فلا يكاد يحتمله غيره ، نعم إلا من شاؤوا أن يعرفوه بعض هذا السّر لا كله كما لا يخفى .